محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

387

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من عذاب النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات الدنيا . أخبر الربّ سبحانه أنّه من انتسب إلى دين من الأديان وآمن بك يا محمّد وعمل صالحا على مقتضى شريعتك فلهم أجرهم عند ربّهم خالصا من الخوف والحزن ؛ وقيل : لا يخافون أن تبطل لهم حسنة ولا يحزنون على أن يؤاخذوا بسيّئة ؛ وفي قوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إضمار « منهم » لأنّ من آمن في موضع ( 168 ب ) خبر إنّ ، ولا بدّ من عائد إلى اسم إنّ ، والخبر ما يتمّ به الكلام ، والعائد هاهنا محذوف ، لدلالة الكلام عليه ، وهو مصرّح في سورة المائدة ؛ والإيمان باللّه يندرج تحته الإيمان بالرسول ، وإنّ الإيمان المعتدّ به شرعا هو الإيمان باللّه ورسوله ؛ فإنّه إذا صدّق اللّه فيجب أن يصدّقه في جميع أوامره وأحكامه ، ومن أوامره الإيمان برسوله وما جاء به من الكتاب . وما ذكرناه قول الكلبي والضحّاك والسدّي والحسن ، قالوا : من آمن من هؤلاء المذكورين باللّه ومحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وكتابه واليوم الآخر فلهم الأجر والثواب . والطريق الثاني : أنّ المراد بالذين آمنوا أصحاب الرسول - عليه السلام - والذين هادوا ولم يحرّفوا ، والنصارى ولم يغلوا ، والصابئين ولم ينكروا ، من آمن منهم باللّه ، أي ثبت على إيمانه ومات عليه ؛ وكانت له الأمنة على إيمان الموافاة ، فله أجره عند ربّه ؛ لأنّ الإيمان المفيد هو إيمان الموافاة وحسن العاقبة . قال الحسين بن الفضل : يعني من أسلم على الإيمان ؛ وهذا معنى قول ابن عبّاس في رواية عطاء ، قال : يريد الذين ماتوا على دينهم وهم يوحّدون اللّه ولا يشركون به شيئا وصدّقوا النبيّين والكتب كلّها فلهم أجرهم ؛ وقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال : إنّ الذين آمنوا هم قوم كانوا مؤمنين بعيسى - عليه السلام - على عهده ، وبالتوراة وبما بشّرهم به من دين محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - قال : إن يبعث لم يتسمّوا باليهودية ولا بالنصرانية ؛ والصابئون صنف من النصارى ألين منهم قلوبا وهم الصائمون السائحون ؛ فمن آمن من هؤلاء باللّه سبحانه وبمحمّد رسوله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم . وقيل : إنّ الذين آمنوا أوّلا هم طلّاب الدين مثل حبيب النجّار وقسّ بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وأبو ذر وسلمان ووفد النجاشي آمنوا بالنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - قبل مبعثه ؛ فمنهم من أدركه وتابعه ومنهم من لم يدركه .